عبد الكريم الخطيب

437

التفسير القرآنى للقرآن

يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ » ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلّم « احفوا الشوارب واعفوا اللّحى » أي قصّروا الشوارب ، وأطيلوا اللّحى ، أي اتركوها حتى تنمو أصول الشعر ، وتطول . وفي قوله تعالى : « وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ » إشارة إلى أنهم أدركوا ورشدوا ، وعرفوا ما حلّ بآبائهم من شر وخير . . وفي هذا إشارة أيضا إلى أن اللّه قد أمهلهم حتى تتابعت أجيم ، وكثرت مواليدهم ، ونمت أموالهم ، وكان لهم بعد الآباء آباء . . وهذا هو السرّ في تقديم الضّراء على السّرّاء هنا . . فالضراء هي ما أصيب به القوم الهالكون من آبائهم الأولين ، والسرّاء هي النعم التي أفاضها اللّه على آبائهم الأقربين . . فهم في نظرتهم إلى الوراء يرون على مسيرة الماضي وجهين من وجوه الحياة ، تغايرا على موطنهم الذي هم فيه . . يرون آباء لهم كانوا في نعمة من اللّه ، وعافية من البلاء ، فكفروا بأنعم ، وعصوا رسله ، فأخذهم اللّه بالبأساء والضرّاء ، وآباء خلفوا هؤلاء الآباء فألبسهم اللّه لباس النعمة والأمن ؛ ولم يبلهم بعد حتى يعلم ما عندهم من إيمان أو كفر . . وهؤلاء الآباء ، هم وأبناؤهم هؤلاء ، لم ينتفعوا بهذه المثلات التي حلّت بآبائهم الأولين ، إذ حين ابتلاهم اللّه ، وبعث فيهم رسله ، كفروا بنعم اللّه ، ومكروا بها ، وأخذوا الطريق الذي أخذه أسلافهم مع رسل اللّه الذين بعثهم اللّه فيهم . وهذه هي سنّة اللّه فيهم ، كما هي في آبائهم . . الهلاك والدمار للقوم الظالمين . . وفي هذا يقول اللّه تعالى : « فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . . » وفي النظم القرآني إعجاز الحذف ، الذي دل عليه ما سبق . . والتقدير : « حَتَّى ( إذا ) عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ » ( أرسلنا إليهم رسولا كما أرسلنا إلى آبائهم رسولا ، فكذبوه ، وسخروا منه ، وتوعدوه ) « فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ » .